أحمد ياسوف
302
دراسات فنيه في القرآن الكريم
ويمكن أن نذكر هنا بعض الشواهد التي تؤيد ما ذهبنا إليه من عضد الصوتيات لجانب المعنى ، ونخص من الصوتيات ما جرى فيه التماثل الذي ينفي الانسجام بحسب النظرة البلاغية القديمة ، قال تعالى : بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [ آل عمران : 125 ] ، فإن تكرار الدال يوحي بتكرار ورود الملائكة مجموعة في إثر مجموعة . وفي سياق آخر يوحي التماثل بالكثرة المتعاقبة وبالبطء ، قال عز وجل : وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ [ الحجر : 19 ] و [ ق : 7 ] فهو مدّ من بعده مدّ ، حركات متوالية حتى تناسب توازن الناس وحاجياتهم عليها ، والبطء ملتمس مع هذا التعاقب لتبيان الرحمة والدقة في الخلق . ويتجلى البطء وطول الحيّز الزمني في قوله : قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا [ مريم : 75 ] فإن هذا يستغرق شهورا وسنوات ويتزامن مع تغيرات كثيرة ، كل هذا تومئ إليه الدال بعد الدال . والملحوظ أن الحركة العنيفة أو السريعة لا تطلب في عطايا الجنة ، بل لا بد أن يتصف الحال باللطف والبطء غير الدال على ضعف ، لذلك تأتي خيرات الجنة بانسياب وتعاقب لا ينتهي ، قال تبارك وتعالى : وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ [ الطور : 22 ] فالدال بعد الدال مما يوحي بتكرار مشهد الفاكهة واللحم . كذلك لا يتوخّى راصد المشهد الحركة العنيفة أو السريعة في قوله عز وجل : مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ [ الحج : 15 ] ، فإن طلب الحيلة إلى السماء يستلزم البطء وإحكام
--> الفيصل ، السعودية ، العدد 108 ، السنة التاسعة ، شباط 1986 ص / 33 وراجع سر صناعة الإعراب لابن جني : 1 / 50 - 65 .